مميز

كتاب الجمهورية التركية الجديدة - تاليف : غراهام فولر

 



كتاب الجمهورية التركية الجديدة  - تاليف : غراهام فولر 



منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، ماهت النخبة التركية المهيمنة نفسها مع الغرب لأسباب استراتيجية، وثقافية، واقتصادية، وسيكولوجية. وقاد هذا التماهي أنقرة في النهاية إلى إقامة علاقة عسكرية-استراتيجية لصيقة بكل من أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي النهاية، قاد تركيا إلى عضوية الناتو كلٌّ من توجهها وجغرافيتها الاستراتيجية، ومشاركتها في التخطيط الاستراتيجي الغربي في مناطق شرق المتوسط والبحر الأسود، وروابطها الإثنية مع الدول التركية الحديثة الاستقلال في آسيا الوسطى، وكونها محور عبور النفط والغاز الطبيعي من بحر قزوين وآسيا الوسطى.


كما أن الدور التركي توسع منذ عام 2001 لسببين؛ الأول بأثر أحداث 11 أيلول/سبتمبر وما تلاها من حرب عالمية على الإرهاب؛ والثاني الانتخابات القومية التركية في عام 2002 وصعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، وهو حزب تركيا الإسلامي المعتدل؛ الذي أظهر حرصاً قوياً على إضفاء الانسجام بين إرث الكمالية ومسيرة تركيا الحتمية نحو التغريب، والمزاوجة بين العناصر الأكثر تقليدية وإسلامية في الثقافة التركية. من هنا تطرح هذه المرحلة عدداً من الأسئلة المثيرة للاهتمام:


ماذا تستطيع تركيا فعله، أو ماذا ستفعل في فترة تتسم بالاضطراب المتزايد والتغيرات المثيرة في الشرق الأوسط؟ ما علائقية انتخاب حكومة إسلامية معتدلة في تركيا علمانية التفكير بالدول الإسلامية الأخرى؟ هل يمكن أن يؤدي حزب العدالة والتنمية دور النموذج أو الكيان المهم في التجربة السياسية بالنسبة إلى بقية الشرق الأوسط؟ كيف يؤثر دور تركيا الناشئ في الشرق الأوسط على طلب تركيا عضوية الاتحاد الأوربي؟ ما الذي يقف وراء المواقف المتنامية لتركيا في مناهضة الولايات المتحدة في المستويين الرسمي والشعبي؟ وما مدى "ديمومة" هذا التطور؟ وماذا يعني بالنسبة إلى بقية الشرق الأوسط؟ كيف ستكون المحددات المستقبلية للسياسات التركية في الشرق الأوسط؟ وكيف ستؤثر على مصالح وسياسات الولايات المتحدة؟


واليوم تعكس السياسة الخارجية التركية سعياً واضحاً نحو ملء المناطق الرمادية في السياسة الشرق أوسطية، وعدم ترك الفرصة لأي فاعل دولي آخر لينوب عن دول المنطقة في ملء تلك الفراغات. ومع أن هذا التوجه يعكس محاولة واضحة، آخذة في التزايد، للحد من النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، فإنه يعكس كذلك الثقة الجديدة التي وجدتها أنقرة بلعب دور نشط في قضايا المنطقة؛ وهو دور يجد بشكل عام، ولأول مرة، دعماً لدى معظم دولها. حيث لم يعد خافياً ما تتعرض له المصالح التركية والأمريكية من اضطرابات قوية وجدية؛ فتركيا -كقوة إقليمية ناشئة- لم تعد مرتاحة للتدخلات الأمريكية، وتحديداً عندما تقوم بتعقيد مبادرات أنقرة الخاصة والإضرار بمصالحها، خاصة ما يتعلق منها بالقضية الكردية التي بدأ الرأي العام التركي يعي بوضوح التقاعس المتعمد من مختلف الإدارات الأمريكية تجاه حلها.


وخلاصة ذلك كله أن الاتجاه نحو سياسة خارجية تركية مستقلة بصورة متزايدة هو العنصر الأقوى في تركيا اليوم، وتدعمه بصورة متزايدة أيضاً أحداث داخلية وإقليمية وعالمية.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-