كتاب الأزمة الآسيوية اشكالية النظام الدولي الجديد تاليف : د. عبدالوهاب محمد الموسوي

 

كتاب الأزمة الآسيوية اشكالية النظام الدولي الجديد 
تاليف : د. عبدالوهاب محمد الموسوي 


هذه النمور الآسيوية – مثلما يسميها بعض الاقتصاديين – قد استفادت من ظروف المرحلة السابقة، فقد تلازمت مصالحها مع مصالح المراكز الرأسمالية، فضلاً عن امكاناتها وجهودها التنموية الذاتية في تحقيق مستويات عالية من النمو الاقتصادي على مختلف الاصعدة وفي مُددٍ قصيرة نسبياً،الامر الذي دفع هذه البلدان الصاعدة باتجاه طموحٍ مشروع للمنافسة على عرش العملاق الاقتصادي العالمي . وما أنْ أحست القوى الغربية بالخطر الذي يهدد مصالحها بتنامي القوة الاقتصادية للمنافس الآسيوي القادم ، مع إدراكها لحقيقة (ان المنافسة على زعامة العالم أصبحت اقتصادية أكثر منها سياسية أو عسكرية) وتزامن ذلك مع انتهاء الوظيفة الأيديولوجية للنمور الآسيوية ممثلةً بتصديها للمد الشيوعي (السوفيتي- الصيني)، حتى عمدت تلك القوى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية الى إحداث زلزال اقتصادي عنيف هزَّ أركان اقتصادات الطموح الآسيوي، وعمل على إيقاف عجلة النمو فيها ، بعد ان عملت هذه الاقتصادات على الاندماج اللامحدود في الاقتصاد العالمي، وسارت بدون تحفظ باتجاه العولمة (ولا سيما في الجوانب المالية منها) مع علمها بوجود اختلالات ليست بقليلة في بعض قطاعاتها – شكلت نقاط ضعف بارزة في النموذج التنموي الآسيوي – فقد تم اختراقه وتعطيل مسيرته بالاستعانة بآليات ومؤسسات النظام الدولي الراهن ، الذي يسعى مروِّجوه للهيمنة على العالم ، والإطاحة بالاقتصادات التي تسعى إلى الوصول نحو مراكز تؤهلها للمشاركة في القرار الاقتصادي العالمي بشكلٍ فاعل ، من خلال فرض سياسات وبرامج تعرقل العمليات التنموية للبلدان النامية ومنها بلدان جنوب شرق آسيا، ومن ثم تُخضعها لتبعية مزمنة للمراكز الرأسمالية ومؤسساتها الدولية وربطها بقيود المديونية الخارجية وشروطها القاسية، الأمر الذي يؤكد بأن النظام الدولي الجديد الذي روِّجت له الولايات المتحدة وحلفائها، بآلياته ومؤسساته كافة، قد اثر سلباً على التجربة التنموية لبلدان جنوب شرق آسيا .
لذلك فإن هذا الكتاب قد وضع لمناقشة إحدى أهم إفرازات النظام الدولي الجديد على المستوى الاقتصادي متمثلةً بالأزمة الآسيوية والتركيز عليها دون ما سبقها او ما لحقها من أزمات عديدة وقعت في مختلف بلدان العالم وأنتقل تأثيرها الى بلدان اخرى، كما هو الحال مع ازمة اليورو في اوروبا، وازمة الرهن العقاري التي تفجرت من مركز الراسمالية والمتمثل بالولايات المتحدة ثم انتشرت فيما بعد الى مناطق بعيدة من العالم، وغير ذلك من ازمات عديدة اخرى .اذ ان اهتمامنا بالازمة الاسيوية حصراً دون غيرها جاء من أجل توضيح خطورة المسار الذي تنتهجه او تسعى إليه معظم البلدان النامية – ومنها البلدان العربية – ممثلاً بالانفتاح والاندماج بالاقتصاد العالمي وبشكلٍ مطلق، والتعاطي مع العولمة بمختلف أنواعها، في ظل منظومتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتاحة، أو على أقل تقدير من دون الأخذ بنظر الاعتبار الإجراءات اللازمة وخلق البيئة المناسبة للشروع بذلك بغية تحقيق المكاسب من هذا الاندماج وتخفيض الخسائر المحتملة _كما هو الحال مع البلدان الآسيوية المأزومة_ الى أدنى مستوى لها وإذ أن النظام الدولي الجديد يكرِّس لهيمنة قوة واحدة على العالم، ومن ثم يؤسس لدكتاتوريةً عالمية تقف في الضد من حرية الشعوب وسيادتها وحقها في تقرير مصيرها.
لذا فإن الكتاب يناقش أيضاً مواطن الضعف في التجربة الآسيوية لتلافيها من قبل البلدان النامية التي تتطلع لمحاكاة النموذج التنموي الآسيوي أو تحاول الاستفادة من التجربة . فضلاً عن التطرق الى مسألة مهمة تتعلق بتمويل التنمية في البلدان النامية لبيان أهمية الحذر في حالة اللجوء الى التمويل الأجنبي أو تجنبه إذا ما أرادت هذه البلدان تحقيق تنميتها المستقلة




تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -