الرَّيُّ بالرَّاحَةِ .. الري بالراحة في مصر الواقع والمخاطر

 

 الرَّيُّ بالرَّاحَةِ .. الري بالراحة في مصر الواقع والمخاطر

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ



    هل خَطَرَ في بَالِكَ يومًا كم عدد ماكينات الري العاملة في مصر؟ وكم تستهلكُ من السُّوْلار سنويًّا؟ إن آخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئةِ العامةِ والإحصاء تُشير إلى أن مساحة الأرض الزراعية في مصر تقارب تسعة ملايين ونصف المليون فدان، وأن عدد ماكينات الري المتنقلة والثابتة في مصر الآن قد تَجَاوَزَ المليون ماكينة، هذا غير السواقي والطنابير التي تُديرها الجرارات الزراعية أو حتى الحيوانات... كل هذه الآلات تستهلكُ ملايين الأطنان من السولار سنويًّا، وتُكلف البلادَ والعِبَادَ مليارات الدولارات ثمن السولار المتزايد سعره، مع ملياراتٍ أخرى ثمن الماكينات التي تُستورد من الصين غالبًا، بالإضافة إلى مئات الآلاف من الأيدي العاملة في إدارة تلك الماكينات وصيانتها. فهل هناك وسيلةٌ لتوفير تلك النفقات أو جزءٍ منها؟


.        نعم، إنها وسيلةٌ سهلةٌ ومضمونةٌ، وليست جديدةً، فهي معروفةٌ عند المصريين من قديم الزمان، أنها ببساطة طريقة (الري بالراحة).


.        الري بالراحة هو مصطلحٌ مصريٌّ خالصٌّ، يُعبِّرُ عن نوعٍ من أنواع الري تجري فيه المياه بطريقةٍ حرَّةٍ منحدرةٍ تحت تأثير الجاذبية الأرضية، لتروي الأراضي المنخفظة التي يكون منسوبُها أقل من منسوب المياه في الترعة. وعكسه الري بالرفع، والذي يتم فيه رفع الماء بطريقة آلية في اتجاه عكس الجاذبية الأرضية. واليوم كل أراضي مصر تروى بالرفع، بينما كانت طريقة الري بالراحة شائعةً جدَّا في مصر قبل السد العالي، عندما كانت مياه الفيضان تُحبس في مجرى النيل، حتى ترتفع إلى منسوبٍ معين. وكان النيل محاطًا من الضفتين بجسورٍ ترابيةٍ عاليةٍ تشبه الساتر الرملي على ضفتي قناة السويس، ولكنها أعظم وأطول، كانت تعرف باسم "جسر البحر الأعظم"، وتمتد من جبل السلسلة شمال أسوان حتى البحر المتوسط. إن "جسر البحر الأعظم" وما كان يتبعه من جسور فرعية تحيط بالترع والأحواض الزراعية هو أكبرُ وأعظم معجزةً هندسيةً في تاريخ مصر القديم والحديث، هو أكبر من الأهرام والسد العالي ومن أي مشروع هندسي آخر.


.        فإذا وصل ارتفاعُ الفيضان إلى تسعة عشر ذراعًا على مقياس النيل في جزيرة الروضة؛ كان ذلك إشارة إلى أن منسوب المياه أصبح أعلى من كل الأراضي الزراعية في مصر، فتُفتح الجسور لتغمر المياه أراضي مصر كلها، فلم تكن هناك حاجة للماكينات أو السواقي أو غيرها. وحتى الأراضي التي كانت تُزرع بالمحاصيل الصيفية، والتي كانت أحواضها تُحاط بالجسور الفرعية لمنع غمرها بالفيضان كانت تُروى بالراحة من خلال فتحات محسوبة في الجسور التي تحيط بها. وكانت عمليات الري بالراحة تستمر طالما كان منسوب مياه النيل فوق مستوى سطح الأرض الزراعية.


.        ثم ينخفض النيلُ بعد الفيضان فتزرع الأرض بالمحاصيل الشتوية، وكلما احتاجت للري تروى بطريقة الري بالرفع بالشواديف أو السواقي أو مؤخرًا بالماكينات التي ظهرت كوسيلة للري منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا. ومع التوسع في الزراعة الصيفية ظهرت فكرة الترع الصيفية التي تكون عميقة إلى نحو ستة أمتار تحت مستوى الأرض الزراعية، لكي تسير فيها بقايا مياه النيل بعد الفيضان أو المياه القليلة القادمة من منابع النيل الاستوائية. ثم ظهرت فكرة القناطر العرضية على النيل، التي تنحصر وظيفتها في حجز المياه أمامها لرفع منسوب المياه في النيل أمام القناطر إلى منسوبٍ يسمح بدخولها في الترع الأقل عمقًا، ثم تُروى الأرضُ المزروعة بالمحاصيل الصيفية من الترع بواسطة السواقي أو الشواديف أو الطنابير، ومؤخرًا بواسطة ماكينات الري التي بدأ ظهورها في مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ومع بناء السد العالي اختفت ظاهرة الري بالراحة إلى الأبد؛ لأن مياه الفيضان لم تعد تأتي، وإنما تُحبس في البحيرة خلف السد العالي، وتُصرف تدريجيًّا بحساباتٍ دقيقة. وهكذا لم يبق إلا الري بالرفع، والرفع لا يتم إلا بالتعب والمشقة والمال.


قناطر أسيوط أثناء بناءها عام ١٩٠٢

قاع النيل يظهر خلف القناطر فيما يعرف بشلالات القناطر الخيرية 


.        نعود للسؤال المطروح في أول المقال: هل يمكننا العودة إلى الري بالراحة؟ نعم، يمكننا ذلك، وطوال العام وليس في موسم معين، ببساطة يمكننا ذلك إذا أمكننا رفع منسوب المياه في الترع فوق مستوى سطح الأرض الزراعية. 


.        وهل هذا ممكن؟ نعم ممكن، فالمياه المخزنة هناك في بحيرة ناصر مرتفعة فوق أي مستوى من مستويات الأرض الزراعية في كل أنحاء مصر، وهي غالبًا في حدود 180 مترًا فوق سطح البحر.


.        أكاد أسمع أحد القراء يسألني: هل تقصد أن نستغني عن مجرى النيل من وراء السد العالي، ونضخ المياه الخارجة من السد في شبكة أنابيب رئيسية ضخمة تتفرع منها شبكة أنابيب أقل ضخامة لتغطي كل أراضي مصر؟ أقول له: طبعًا هذا ممكن نظريًّا، فما المانع من عمل شبكة أنابيب ضخمة نموذجها المصغر هو شبكة أنابيب مياه الشرب في أية مدينة، يختلف فقط في أنه لن يحتاج إلى ماكينات لضخ المياه؛ لأنها سوف تأتي من خزان مرتفع أعلى من أي مكان مأهول أو مزروع في مصر. ولكن تطبيق هذا النموذج الضخم صعب ومُكلف ومُؤثِّر بيئيًّا. لكن يمكن دراسته، وربما يمكن تطبيقه في يوم من الأيام.


.       ولكن ليست هذه فكرتي التي أطرحها اليوم، ففكرتي تتلخص في حلٍ بسيطٍ يَعتمدُ على شبكة الترع القائمة بحالتها، أو في حالة التطوير الجارية عليها الآن ضمن ما يعرف باسم (مشروع تبطين الترع) والذي يتم فيه تبطين الترع بطبقة من الخرسانة المسلحة لمنع تسرب المياه، ومنع النحر الذي يؤدي إلى تآكل جوانب الترع، وتوفير مساحات كبيرة من الأرض التي أكلتها الترع فيما سبق، ويمكن أن تستخدم في توسيع السكك الزراعية على جانبي الترعة وتطوير شبكة المواصلات أو حتى في الزراعة أو العمران.


.       لا يُنكرُ أحدٌ أن مشروع تبطين الترع الجاري تنفيذه الآن مشروعٌ حيويٌّ ومُهم، وهو يتم بحسابات هندسية دقيقة تَحْسب معدل انحدار قاع الترعة، وتحسب اتساع الترعة بحسبان كمية المياه المتوقع أن تجري فيها ومساحة الأراضي التي ترويها. وهو مشروع يحفظ كل قطرة مياه، ويُمكِّن الدولة من السيطرة عليها وحسابها والمحاسبة عليها كذلك. فالدولة مهتمة بجباية الأموال بالدرجة الأولى. وإذا كانت الدولة تهتم بجباية الأموال؛ فإنني سوف أفكر بعقلية الدولة، سوف أفكر في كيفية توفير ملايين أطنان السولار ومليارات الدولارات التي تدير آلات الري، ومن ناحية أخرى أفكر في حلٍ مرضٍ للفلاحين بديلاً للأموال التي سيدفعونها للدولة التي تخطط لمحاسبة الفلاحين على المياه التي يستهلكونها في ري أراضيهم. فهم في هذه الحالة سيرحبون بالدفع إذا جاءتهم المياه بالراحة. وبالتالي فالفائدة مشتركة للطرفين.


.       لكن فكرتي تقوم على رفع قاع الترعة بمقدار يتراوح بين متر واحد إلى مترين، مع رفع الجدران الخراسانية الجانبية للترعة فوق مستوى سطح الأرض الزراعية بالمقدار نفسه، بحيث يمكننا رفع منسوب المياه في الترعة إلى ما فوق سطح الأرض بما يتراوح بين 50 سنتيمترًا إلى متر واحد. فهذا الارتفاع كافٍ لري حوض الترعة بالراحة. وهل هذا ممكن؟ هل يمكننا أن نرى في مصر ترعًا تجري سطح فوق الأرض بدون حفر، أو بالأحرى ترعًا معلقة؟


.       والإجابة ببساطة، نعم، من الممكن أن نصنع ترعًا معلقة فوق الأرض، أو على الأقل مبنية فوق سطح الأرض، وقد رأيت ذلك بعيني في الأحساء بالمملكة العربية السعودية، مع الفارق الكبير في كمية المياه وأطوال الترع، فإجمالي أطوال قنوات الري الرئيسية والفرعية هناك طولها حوالي ألف وخمسمئة كيلو متر أغلبها مرتفع عن سطح الأرض، والمياه تجري فيها بالراحة. والصور المرفقة لمشروع الري بالأحساء الذي أنشأءه الملك فيصل في السبعينيات من القرن الماضي توضح ذلك.


.       والآن يأتي دور السؤال الأكثر أهمية، إذا نجحنا في بناء ترع مرتفعة هكذا، فكيف يمكننا رفع منسوب المياه فيها بهذا القدر الذي ذكرته، هل سنستخدم طلمبات ضخمة لرع المياه من النيل إلى الترعة لكي تروي الأرض بالراحة؟ وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نفهم طريقة عمل نظام الري في مصر.


.       إن نظام الري في مصر يعتمد على القناطر الرئيسية المبنية على نهر النيل عند منابع الرياحات والترع الرئيسية، حيث تقوم القناطر بحبس المياه أمامها بغرض رفع منسوب المياه في مجرى النيل إلى المستوى الذي يجعلها تتدفق إلى داخل الترعة أو الريَّاح. وبالتالي فإن منسوب المياه في مجرى النيل ليس واحدًا، وإنما ينحدر من 180م فوق سطح البحر عند أسوان، إلى صفر عند دمياط ورشيد. فإذا كان منسوب المياه أمام السد العالي الآن 179مترا فوق سطح البحر؛ فإن منسوبها خلفه مباشرة 109 أمتار فوق سطح البحر وهو نفس المنسوب أمام سد أسوان الذي يبعد بضعة كيلومترات شمال السد العالي، بينما المنسوب خلف سد أسوان 80مترًا فوق سطح البحر، وتقوم قناطر إسنا الواقعة على بعد مئتي كيلومتر شمال سد أسوان برفع المياه أمامها إلى منسوب 74مترًا فوق سطح البحر لكي تدخل المياه في الترعتين الرئيسيتين اللتين تخرج من أمام قناطر إسنا، وهما ترعتي الكلابية في الجهة الشرقية من النيل، والأصفونية في الجهة الغربية. بينما منسوب المياه خلف قناطر إسنا مباشرة ينحدر ليصل إلى 68 مترًا. فالفارق في منسوب قناطر المياه أمام قناطر إسنا وخلفها هو ستة أمتار تقريبًا، وهذا يسبب مشكلة في عبور المراكب النيلية والبواخر التي تحتاج إلى هويس مخصوص يعالج ذلك الفارق الكبير في المنسوب، وسأضع لكم في التعليقات رابطًا يشرح بالفديو كيفية عبور المراكب من هويس قناطر إسنا.


.       وتقوم قناطر نجع حمَّادي التي بناها الملك فؤاد سنة 1928 برفع المياه أمامها إلى منسوب 61 مترًا، لكي تدخل المياه في الترعين اللتين تخرجان من أمامها وهما ترعتي نجع حمادي الشرقية (كان اسمها الفاروقية) ونجع حمادي الغربية (كان اسمها الفؤادية). ويقل منسوب المياه خلف قناطر نجع حمادي بنحو ثلاثة أمتار. 


.       وترفع قناطر أسيوط منسوب المياه أمامها إلى 47 مترًا، لتسهيل دخول المياه إلى ترعة الإبراهيمية التي لم ينل اسمها ما نال الفؤداية والفاروقية من تغيير. وترعة الإبراهيمية مشروع عملاق يروي محافظات أسيوط والمنيا وبني سويف. بينما يقل منسوبها خلفها بنحو ثلاثة أمتار كذلك ثلاثة.


.       ولا يخفى على أي مصري القناطر الخيرية العظيمة التي تنظم عملية ري الوجه البحري بأكمله من خلالها تحكمها في مياه فرعي دمياط ورشيد، ورفعها منسوب المياه أمامها إلى نحو 15م فوق سطح البحر؛ لتدخل في الرياحات الثلاثة التي تروي الوجه البحري: الرياح التوفيقي لري شرق الدلتا، والرياح المنوفي (اقرأ حكايته في مقال لي على هذه الصفحة بعنوان "بحر شبين نهر من الجنة") لري وسط الدلتا، والرياح البحيري لري غرب الدلتا. بينما ينخفض منسوب المياه خلف القناطر إلى حد أن قاع النيل يظهر وتنحدر المياه في هيئة شلالات يستحم الناس فيها في أيام شم النسيم (انظر الصورة المرفقة).


.      وكل ما أطالب به إجراء تعديلات على تصميمات القناطر بتعليتها أو تدعيمها، بحيث ترفع مستوى المياه أمامها إلى متر ونصف أو مترين زيادة عن مقننها، فهذا كفيل بجريان المياه في الترع المعلقة والسطحية التي من المفترض أن يكون قد تم بناؤها قبل رفع المنسوب. هذا إذا تم مد شبكة الترع كلها بموازنة واحدة، وبانحدار قليل يراعي سرعة جريان المياه المطلوبة.  وإن كان من الأفضل أن يتم تجربة المشروع في منطقة صغيرة قبل تعميمه على مصر كلها، ولا شك أن قناطر إسنا هي المكان المناسب للتجربة، فرفع منسوب المياه أمامها إلى نحو مترين أمر سهل، يجب أن يسبقه تبطين وتعليه ترعتي أصفون والكلابية، وترميم جسر النيل الأعظم القديم في المناطق المنخفضة أقل من المنسوب المتوقع رفعه. وبذلك يمكن ري أراضي محافظتي قنا وسوهاج بالراحة.


.        من أهم مميزات هذا المشروع أنه يمنع القرى المختلفة والمصانع من صرف مخلفاتها في الترع، لأن الترع أصبحت أعلى من منسوب البيوت من ناحية، ولأن جدرانها أسمنتية ليس من السهل عمل فتحة فيها، كما أن أية فتحة في الجدار الإسمنتي سوف تفتضح على الفور لأن المياه ستنساب منها بغزارة ويصعب السيطرة عليها. 


فإذا سألني أحدكم، وما الحل لو قام أحد المخربين بعمل فتحة في الجدار الخراساني أو فجرَّه بعمل إرهابي، أقول له إن كل الترع سوف يتم التحكم فيها من فوهتها ببوابات، وكذلك يتم عمل بوابات على مسافات متقاربة في الترعة، بحيث أنه إذا حدثت مشكلة في أحد قطاعات الترعة يتم غلقه على الفور فلا تضيع المياه هباء.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -