أثر الموقع الجغرافي والحدود السياسية لقارة إفريقيا - د. منى صبحي نور الدين

 

 أثر الموقع الجغرافي والحدود السياسية لقارة إفريقيا

 د. منى صبحي نور الدين

أستاذ الجغرافيا الاقتصادية المساعد بكلية الدراسات الإنسانية – جامعة الأزهر



بوابة روز اليوسف - حكايات إفريقية -  22 أغسطس 2021:

    تمتد القارة الإفريقية بين دائرتي عرض 34,5 جنوبًا حتى 37,5 شمالًا، أي تضم أكثر من 70 درجة عرضية، ويمر خط الاستواء بمنتصفها، وتضم القارة بعض الأقاليم المناخية أهمها المناخ الاستوائي والصحراوي، اللذان لعبا دورًا كبيرًا في زيادة الإرهاب، خاصة في المناطق التي تمتد فيها الصحراء الكبرى عبر المناطق الحدودية بين الدول، الأمر الذي مثل عائقًا من مد يد العمران والتنمية، وبالتالي فهي مناطق تكاد تكون خالية من السكان وتشكل خطورة في عمليات التهريب، كما تعاني مناطق شرق إفريقيا من الجفاف بشكل كبير.

    ولعب الموقع بالنسبة لليابس والماء دوراً كبيراً، حيث تقع القارة الإفريقية في قلب العالم، وتتصل بقارة آسيا عن طريق شبه جزيرة سيناء في الشمال، وبالقارة الآسيوية عبر مضيق باب المندب على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتتصل بأوروبا عبر البحر المتوسط وعبر مضيق جبل طارق، الذي يفصل بين دولتي إسبانيا والمغرب، وتعد بذلك أقرب المناطق للقارة الأوروبية، نظرًا لأنها تطل على سواحل بحرية طويلة على البحر المتوسط والأحمر والمحيطين الهندي والأطلسي.

   وتطل القارة الإفريقية بسواحل على جبهات بحرية متعددة (البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وقناة السويس، والمحيط الأطلسي، وخليج غينيا، والمحيط الهندي، ومضيق موزمبيق، وخليج عدن)، كما تسيطر على بعض المضايق والمواقع البحرية الاستراتيجية المهمة التي تتحكم في حركة التجارة الدولية (مضيق جبل طارق، ومضيق باب المندب، وقناة السويس).

   وتختلف أطوال السواحل من دولة لأخرى، فهناك دول جزرية، منها ما هو صغير مثل سيشيل وموريشيوس وجزر القمر شرقي إفريقيا في المحيط الهندي، ومنها ما هو كبير مثل مدغشقر في نفس الاتجاه، وعلى الساحل الغربي توجد دولة برنسيب وتاومي والرأس الأخضر، وتلك الدول بعيدة عن جيوب الإرهاب، لكنها سواحلها البحرية ومناطقها قد تتعرض لخطر القرصنة البحرية، وهناك دول متعددة الوجهات البحرية، مثل مصر، وجنوب إفريقيا، والمغرب، حيث تطل على أكثر من وجهة بحرية، وهناك دول أحادية الاتجاه البحري، وهي باقي الدول الساحلية في إفريقيا.

    وتضم القارة الإفريقية عدد 54 دولة، منها 38 بحرية و16 حبيسة، وقد كفلت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 حق الدول الحبيسة في تمرير تجارتها الخارجية عبر دول الجوار، وصولًا إلى الموانئ البحرية، باعتبارها منافذ لحركة التجارة الخارجية، وقد تعاني بعض تلك الدول أيضًا من مخاطر الإرهاب، وهي أقل وطأة من الدول الحبيسة التي تعاني من عدم القدرة على تأمين حدودها في ظل زيادة أعداد دول الجوار، وزيادة أطوال الحدود البرية، والتي تعد معبرًا لكثير من عمليات التهريب والاستقطاب في المناطق المهمشة سياسيًّا واقتصاديًا، في ظل غياب الرقابة وعدم تأمين الحدود على المنافذ البرية، فضلًا على امتداد بعض الظواهر الطبيعية التي تعوق تأمين المناطق الحدودية، وتساعد في أن تكون بيئة حاضنة للإرهاب.

    وتعد القارة الإفريقية إحدى قارات العالم القديم التي تعرضت لكافة أشكال الاحتلال المختلفة، فقد عانت القارة الإفريقية من تجارة الرقيق التي كانت سببًا في تطور التجارة البحرية الدولية في بعض الفترات التاريخية، كما أثر الاستعمار في تقسيم دول القارة على الساحل الغربي لدول متوحدة الاتجاه تطل على خليج غينيا من جهة الشمال وهي (غينيا الاستوائية، الكاميرون، نيجيريا، وبنين، توجو، غانا، كوت دي فوار، ليبريا، سيراليون، غينيا، عينيا بيساو، وغامبيا).

   وكانت القارة الإفريقية مصدرًا للمواد الخام التي تم استنزاف الكثير منها بفضل الاحتلال والتوسعات الإمبريالية للدول الأوروبية، وكانت أيضًا سببًا في تطور حركة التجارة الدولية، كما أن المشكلات العسكرية والسياسية والاقتصادية تستفيد منها الدول الأخرى في تشغيل شركاتها، مثل مشكلة القرصنة التي دفعت الدول الأوروبية إلى تشغيل شركات التأمين المختلفة على السفن، أو في المواقع المعرضة للقرصنة.

   ويؤدي مجرد وجود الخط السياسي الفاصل بين الدول، إلى إحداث تغييرات جغرافية في إقليم الحدود، كما يؤدي في أحيان أخرى إلى خلق وحدات جغرافية صغيرة عبر حدود الدولتين، والحدود في القارة الإفريقية مرتبطة ببعض الظواهر الطبيعية، مثل الغابات والمستنقعات، التي شكلت عقبة تحول دون سهولة الاتصال، وكذلك البحيرات والأنهار، مثل بحيرة تشاد. 

   أما الظواهر البشرية، فإن الحدود الإثنولوجية والسلالية واللغوية والدينية لا وجود لها في صورة خطوط فاصلة إلا في أضيق الحدود، وتكون بمعاونة عوازل جغرافية مانعة، والتجانس الإثنولوجي النسبي لا يظل ثابت الوجود، بل يتغير تدريجيًّا وزمانيًّا نتيجة تفاعلات داخلية وخارجية.

    والواجهة البحرية تزيد من استثمار اقتصاديات الدولة، والواجهة البحرية لا تقاس أهميتها بطولها، بل بقيمتها متعددة الأطراف، وتبلغ قيمة الواجهات البحرية أقصاها حينما تصبح مهمة لعدد من الدول المجاورة، وحجم الدولة وشكلها، مثل نيجيريا القوية بالنسبة لدول الساحل الغربي، أو تنزانيا وكينيا، بالنسبة لدول الساحل الشرقي.

   وكلما كانت الدولة كبيرة، فإن من الصعب احتلالها، لكنها أيضًا تتطلب خطوط اتصالات وشبكات طرق كثيرة، أما بالنسبة لشكل الدولة فهو يؤثر على استراتيجيتها العسكرية، سواء للمحافظة على الإدارة القومية، أو الدفاع العسكري.

   ونجد دولًا تدخل في حدود دولًا أخرى، كما هو الحال في ليسوتو وإسواتيني (سوازيلاند سابقًا)، وهما دولتان داخل دولة جنوب إفريقيا، ومعظم دول الجنوب مرتبطة بالاستعمار الأوروبي الذي أدى إلى تفتت القارة في نهاية القرن الثامن عشر.

للتحميل

👇


👈  top4top-download-docx


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -