أخر الاخبار

تطور أحجام المدن الليبية وتوزعاتها المكانية 1950- 2000م: دراسة في جغرافية المدن

 

   تطور أحجام المدن الليبية وتوزعاتها المكانية 1950- 2000م: دراسة في جغرافية المدن - مولود علي المقطوف بريبش - أطروحة دكتوراه 2006م 




أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الجغرافيا



إعداد

مولود علي المقطوف بريبش




إشراف

الأستاذ الدكتور

محمد إبراهيم صافيتا

أستاذ ورئيس قسم الجغرافيا


مشرف مشارك

الدكتور

عدنان عطية



دمشق 2006م
رسائل علمية جغرافية

الفهرس

 

الموضوع

الصفحة

فهرس الجداول .........

و

فهرس الخرائط .........

ط

فهرس الأشكال .........

ك

فهرس الملاحق .........

ل

المقدمة ..................

1

مشكلة الدراسة .........

2

أهداف الدراسة وأهميتها ....

4

منهج الدراسة .........

5

حدود الدراسة .........

7

الدراسات السابقة . ...

10

الفصل الأول: نشأة المدن الليبية و مقومات قيامها ودوافع نشأتها.

13-52

نشأة المدن الليبية .....

14

مقومات قيام المدن الليبية...

38

دوافع نشوء المدن الليبية....

48

الفصل الثاني: تطور أحجام المدن الليبية ومراتبها.

53-117

تعريف المدينة ومفهوم حجمها ....

54

تطور أعداد المدن الليبية ونمو أحجامها 1954 - 2000. ....

60

مراتب أحجام المدن الليبية وموقعها في المنظومة الحضرية: ...

84

- توزع الفئات الحجمية للمدن الليبية ....

84

-  تحليل منظومة المدن الليبية. .......

92

 الحجم الأمثل للمدينة الليبية. ............

110

الفصل الثالث: العوامل المؤثرة في نمو المدن الليبية وتطورها وتفاوتها أحجامها.

118-181

العامل الديموغرافي: ..................

119

- الزيادة الطبيعية ........

119

- الهجرة: ......

122

 الهجرة الخارجية.....

123

 الهجرة الداخلية ......

127

التصنيف المستحدث للمراكز الحضرية ....

138

تطور وظائف المدن وعامل التأثير المضاعف لأحجامها: ....

140

- طبيعة وظائف المدن الليبية وتطورها....

140

- عامل التأثير المضاعف لأحجام المدن....

158

التطور التنموي ودوره في توزان منظومة أحجام المدن الليبية .

165

الفصل الرابع: العوامل المؤثرة في توزع المدن الليبية ومواقعها.

182-250

العوامل الطبيعية وأثرها في توزع المدن الليبية ومواقعها: ....

183

- مظاهر السطح. .....

183

- المناخ وعناصره. ....

197

- الموارد المائية.....

203

- التربة. .........

218

العوامل البشرية - الاقتصادية وأثرها في توزع المدن الليبية ومواقعها:

222

- شبكات الطرق والمواصلات ودورها في توزع المدن الليبية.

222

- الموارد الاقتصادية وأثرها في توزع  المدن الليبية .

237

الفصل الخامس: تحليل واقع التوزع المكاني للمدن الليبية وآفاقها المستقبلية.

251-320

مواقع المدن الليبية وأهميتها في نمو أحجامها...

252

أنماط توزع شبكات المدن الليبية وكثافاتها...

260

الآفاق المستقبلية للتوزع المكاني للمدن الليبية ونمو أحجامها: ..

283

- مستقبل التوزع المكاني للمدن الليبية...

283

- مستقبل نمو أحجام المدن الليبية وعلاقاته بإمكانات التنمية في أقاليم البلاد.

301

النتائج والمقترحات...

321

المصادر والمراجع. .....

334

الملاحق ..........

345

 المقدمة

أصبح نمو المدن وزيادة انتشارها المكاني من أبرز الظاهرات الإنسانية في العصر الحديث، حيث تزايدت نسبة سكان المدن في العالم إلى نصف إجمالي السكان، بل ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 75% في الكثير من دول العالم، بشكل يوحي بأن سكان الكثير منها ستضمهم شبكة حضرية تنتشر مدنها على رقعة تلك الدول، وما صاحب ذلك من تغيرات مهمة في توزع السكان داخل الدول، نتيجة تباين معدلات نمو وتطور أحجام المدن وتغير في أنماط توزعاتها المكانية، وهو ما حدا بكثير من الجغرافيين إلى دراسة هذه الظاهرة وتحليلها ومحاولة الإسهام في وضع خطط عمرانية تراعي إعادة توزيع السكان في ضوء توزيع المراكز العمرانية واتجاهات النمو في أقاليم البلاد، وتقييم مسيرة سياسة الدول للتخفيف من الهيمنة الحضرية للمدن الرئيسة والتقليل من حدة التفاوت بين المراكز الحضرية والحد من المشاكل والآثار الناجمة عن مثل تلك الهيمنة.

تتسع موضوعات البحث في الجغرافيا الحضرية، ويمكن حصرها في اتجاهين: أحدهما دراسة المدينة كوسط جغرافي مستقل، تناقش فيه المدينة من حيث نشأتها وتحليل مكوناتها وتطور شكلها ومورفولوجيتها وكثافة استخدامات الأراضي فيها، وتركيب وظائفها، ودراسة خصائص وتوزيع الفعاليات والأنشطة فيها والمشاكل التي تواجهها. أما الاتجاه الآخر فيركز على دراسة العلاقات القائمة بين المدن في أبعادٍ ثلاثة، وهي: الحجم والتباعد (الكثافة) وعلاقاتها الوظيفية. ومن هنا فقد مثلت دراسة العلاقة بين تدرج أحجام المدن وتوزعاتها المكانية ميداناً خصباً للجغرافيين المهتمين بدراسة المدن من خلال تحليل الكيفية التي تتوزع بها المدن مكانياً وعلاقتها بأحجام هذه المدن. وبخاصة إذا أدركنا بأن أهمية المدينة تتحدد بعدة متغيرات منها حجم هذه المدينة، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظروف نشأتها وطبيعة البيئة المجاورة، ومدى توزع المراكز العمرانية وتباعدها في رقعة الإقليم. ويقصد بحجم المدينة هنا أعداد سكانها وليس حجم الوظائف التي تؤديها، فالحجم السكاني للمدينة يعكس قيمتها على المستويين المحلي والإقليمي، فهو يعدّ أحد المؤشرات على أهمية المدينة في إقليمها ووزنها في الشبكة الحضرية في الدولة، ومدى علاقاتها بالمدن الأخرى.

ومن ثم تتطلب مثل هذه الدراسة ضرورة البحث في التوزعات المكانية للمدن من حيث مواقعها وأحجامها وانتشارها وتوزعاتها والأنماط التي تتخذها توزعات المدن على سطح الأرض وتحليل العوامل والقوى التي أثرت في ظهور هذه الأنماط وتطورها والتغيرات التي حدثت عليها، وما يرتبط بذلك من تصنيف للمدن تبعاً لمواضعها ومواقعها وأنشطتها ووظائفها، ومدى الانتظام الحاصل في التوزع الجغرافي للمدن وتدرجاتها الحجمية.

مشكلة الدراسة.

من الظواهر البارزة التي عرفتها ليبيا خلال النصف الثاني من القرن العشرين ظاهرة التحضر وتنامي نسبة سكان المدن، وازدياد أعدادها وتعاظم أحجامها، التي جاءت نتيجة للهجرة من الأرياف والبوادي إلى المدن من جهة، ومن المدن الصغيرة إلى المدن والمراكز الحضرية الرئيسة من جهة ثانية. وقد رافقت هذه الظاهرة تغيرات واسعة في صورة التوزع السكاني في ليبيا خلال العقود الأخيرة نتيجة جملة من العوامل والمتغيرات الجوهرية التي برزت بشكل سريع، أدت إلى تغير مستمر في ملامح هذه الصورة بأشكال مختلفة، فالتوزع السكاني في ليبيا كان يميل إلى الثبات في إطار من التوازن في توزع السكان بين المناطق الريفية والحضرية، إلا أن هذا التوازن تعرض للخلل نتيجة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها الدولة الليبية مع مطلع الستينيات من القرن العشرين المرتبطة باكتشاف النفط.

تتناول هذه الدراسة ظاهرة التحضر في ليبيا وأثرها على تطور أحجام المدن الليبية وعلى الكيفية التي تبدّلت بها صورة التوزع المكاني للسكان نتيجة الاهتمام بالعاصمة والمدن الرئيسة  التي أصبحت مراكزَ جذبٍ لسكان المناطق الريفية والمدن الصغيرة، وخاصة مع تركز المنشآت الصناعية والمؤسسات التجارية والمرافق الخدمية التي أسهمت بدورها في تسارع عملية الاستقطاب وخلق فوارق صارخة بين مدينتي طرابلس وبنغازي من ناحية، وبقية المراكز الحضرية والريفية في أجزاء القطر من ناحية أخرى. ولهذا تطلب الأمر تحليل السياسة التنموية التي تبنتها الدولة، من خلال التوجهات والمبادئ والأهداف العامة التي تعكس فلسفة الدولة ورؤيتها لمنظومتها الحضرية حاضراً ومستقبلاً، ومتابعة التغيرات التي حدثت في النظام الحضري الليبي من خلال دراسة العلاقة بين عملية التحضر والتنمية المكانية، تبعاً لنتائج التعدادات السكانية الشاملة والخطط التنموية والمخططات الحضرية، لاسيما في الفترة التي بدأت تظهر فيها إشارات صريحة لمبدأ التوازن الإقليمي منذ الخطة التنموية 1973-1975، وإزاء ذلك عملت الجهات المسؤولة في الدولة على إتباع أسلوب تخطيطي للتقليل من معدلات النمو السكّّاني للمدن الكبرى مقارنة ببقية المدن الأخرى، والتخفيف من حدة المشكلات المصاحبة للتركز السكّاني فيها. وما نتج عنه من تطور لأحجام المدن وتزايد أعدادها، الذي يبدو في تغير صورة التراتب الحجمي لتلك المدن، ومدى الانتظام في توزع أحجامها.

كما اهتمت هذه الدراسة بتحليل مواقع المدن الليبية وتوزعاتها المكانية من حيث التباعد والتكاثف مع إبراز دور العوامل الطبيعية والبشرية والاقتصادية في تحديد تلك المواقع وتباين مميزاتها وإمكاناتها، وما نجم عنه من استقطاب للأنشطة والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية إليها، والدور الذي لعبته في نشوء المدن الليبية وتطورها وتفاوت أحجامها. والتأكيد على أهمية العلاقات القائمة بين تلك العوامل والنواحي العمرانية، وبخاصة أن الطبيعة الصحراوية لليبيا قد لعبت دورها في اختلال التوازن الحضري بين شمال البلاد وجنوبها، وحصر العمران والاستقرار البشري في منطقة الشريط الساحلي وفي بعض الواحات في أجزاء متفرقة من البلاد.

وعليه فقد اشتملت الدراسة على مناقشة ثلاثة أفكار رئيسة تشكل محور هذا البحث، وهي تطور ونمو أحجام المدن الليبية من جهة، وتحليل التوزع الحجمي لتلك المدن ودلالاتها بالنسبة للتنمية المكانية من جهة ثانية، وتباين توزعات المدن وتباعدها وكثافتها ودور العوامل الجغرافية في بروز ذلك التباين من جهة ثالثة.

ومن هنا جاءت فكرة هذا الموضوع لتقييم مسيرة التمدن في سبيل رسم رؤية وطنية عن عمران المستقبل والتنبؤ بالآفاق المستقبلية لنمو المدن الليبية، وزيادة أعدادها ونمو أحجامها من خلال معرفة وتحديد العوامل المساعدة على ذلك النمو والتطور، ورصد التغيرات التي حدثت على تلك المدن، ذلك لأن عمران الحاضر هو نتاج لقرارات وبرامج التنمية في الماضي، وهو في الوقت ذاته مؤشر على عمران المستقبل.

وفي ضوء ما تقدم يمكن صياغة إشكالية البحث على هيئة أسئلة مثارة تسعى الدراسة للإجابة عليها، وهي:

س1- ما العوامل التي لعبت دورها في نشأة المدن الليبية وتطورها خلال مراحلها التاريخية؟

س2- ما اتجاهات النمو الحضري في ليبيا؟ وما مراحل تطور أحجام المدن الليبية، ونمو أعدادها؟

س3- ما خصائص الشبكة الحضرية الليبية، وما هي اتجاهات نموها؟ وهل تتجسد فيها أبعاد التسلسل الحضري؟ هل هي أبعاد مثالية كما أوردتها النظريات المتخصصة أم أنها منحرفة عنها؟ وما مدى هذا الانحراف؟ وهل يمكن معالجته؟

س4- ما العلاقة بين عملية التحضر في ليبيا من جهة والتنمية وأبعادها المكانية من جهة ثانية؟ وما طبيعة العلاقة بين أحجام المدن الليبية والوظائف التي تمارسها؟

س5- ما دور العوامل الجغرافية الطبيعية والبشرية والاقتصادية التي أثّرت في التوزعات المكانية للمدن الليبية؟

س6- ما الواقع التوزيعي للمدن الليبية؟ وهل تحقق التوازن في ذلك التوزع؟ وما هي الصورة المطلوبة مستقبلاً؟

أهداف الدراسة وأهميتها.

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها:

1-  البحث في نشأة المدن الليبية، ومتابعة تطورها وتحديد مقومات قيامها ودوافع نشأتها.

2- دراسة تطور أحجام المدن الليبية خلال الفترة 19502000، وطبيعة توزع تلك الأحجام وتصنيفها إلى فئات حجمية، ومتابعة التغيرات التي حدثت في النظام الحضري الليبي.

3- تحليل واقع منظومة المدن الليبية والبحث في العلاقة التي تفسر تدرج أحجام ومراتب المدن وأعدادها، وعمّا إذا كانت تميل إلى الانتظام والتوازن، أم إلى التركز والهيمنة.

4- الوقوف على الضوابط المحددة لأحجام المدن الليبية ودورها في إظهار الفروق في تلك الأحجام.

5- التأكيد على أهمية دراسة تباين توزعات المدن الليبية حجمياً، ودلالاتها بالنسبة للتنمية المكانية، وتحديد الحجم الأمثل لتلك المدن.

6- تحديد العوامل الجغرافية المؤثرة في اختلاف صورة التوزع المكاني للمراكز العمرانية ومواقعها في ليبيا.

7- كشف اللثام عن طبيعة التوزع الجغرافي للمراكز الحضرية في ليبيا، وتوجه العمران فيها، والتغيرات التي حدثت عليه، ومدى علاقة ذلك بسياسة الدولة لتوسيع قاعدة النمو الحضري وخلق مراكز حضرية جديدة في شبكة المدن الليبية للتخفيف من هيمنة المدن الرئيسة.

8- تحليل العلاقة بين أحجام المدن الليبية وتباعدها وكثافتها وأنماط توزعاتها المكانية.

9- استقراء مستقبل التوزع المكاني للمدن الليبية وتطور أحجامها.

وتكّمن أهمية هذه الدراسة في أهمية الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وما سيتمخض عنها من نتائج، إذ يمكن لمثل تلك النتائج أن تسهم بدرجة أو بأخرى في عمليات التخطيط الحضري ووضع تصور لحلول بعض القضايا الخاصة بمشاكل العمران في الدولة، أو على الأقل يمكن أن تكون مؤشرات مهمة يستفيد منها أولئك القائمون على أمر التخطيط والتنمية فيها، وأن تسهم في اتخاذ القرار التنموي السليم المبني على أسس ودراسات علمية موضوعية، انطلاقاً من أن دراسة أحجام المدن خاصة، والمراكز العمرانية عموماً وتباعدها تشكل رافداً مهماً من روافد العمليات التخطيطية، وما تشكله من أهمية للتعرف على الأنماط التوزيعية لتلك المراكز وتحديد النسق العمراني المستهدف عند عمل أية خطة تنموية مقبلة، بالإضافة إلى معرفة مدى الانتظام التراتبي الحجمي والمكاني لهذه المراكز، فمن خلال قياس معدل النمو الحجمي للمراكز الحضرية يتيسر تحديد معوقات التنمية التي يمكن أن تكون قد أثرت على حالات النمو الحجمي، كما يمكن معرفة عوامل النمو السريع للمراكز الحضرية الأخرى. وفي ضوء هذه التصورات يمكن وضع سياسات وأهداف لضبط وتوجيه عملية النمو والتوسع الحضري في البلاد، وبخاصة أن دائرة اهتمام هذا البحث تتسع زمنياً لتشمل النصف الثاني من القرن العشرين 1950-2000، من خلال معرفة التغيرات الحديثة التي شهدتها شبكة المدن الليبية في الحجم والتوزع المكاني وتحديد العوامل التي أسهمت في تلك التغيرات.

كما يزيد من دعم البحث ويمنحه أهمية مضاعفة عدم اقتصاره على تتبع ملامح الظاهرة الحضرية في ليبيا خلال فترة الدراسة المنتهية عام 2000 وبيان نمط النظام الحضري الحالي، بل أنه يستقرئ مستقبله في عام 2020، ويقترح توزعاً حجمياً ومكانياً لما يجب أن تكون عليه المدن الليبية في المستقبل كي تصل المنطقة إلى حالة من التوازن أو النضج الحضري الذي يتطلب ضرورة توفير الظروف المناسبة لاستقطاب النمو السكاني باتجاه المراكز الحضرية الصغيرة والمتوسطة بما ينسجم مع توجهات وأهداف التنمية المكانية في البلاد المتعلقة بإعادة النظر في التوزع السكاني والعمراني، ومدى ارتباطه بتوزيع الخدمات والوظائف الحضرية.

منهج الدراسة:

تعتمد دراسة الشبكة الحضرية للمدن الليبية من حيث نموها وأحجامها وتباعدها وتوزعاتها المكانية على عددٍ من المناهج للوصول إلى أهداف الدراسة، منها الاعتماد على المنهج الوصفي من خلال الوصف والتشخيص القائم على إظهار خصائص مواقع المدن وتوزعاتها وعلاقتها بنشأتها ونمو أحجامها. إضافة إلى استخدام المنهج التاريخي عند دراسة نشأة المدن الليبية والتطور في أحجامها ونمو وظائفها والتغيرات في أنماط وأشكال توزعاتها، إذ أن هذا المنهج يعدّ مهماً في دراسة المدينة كظاهرة جغرافية لا يمكن دراستها وتحليل نموها وتطور حجمها وتوزعها الجغرافي دون إلمام وتبصر بتطورها التاريخي، كما أن مثل هذه الدراسة التاريخية تفيد في إمكانية التنبؤ بمستقبل التمدن ونمو المدن على المدى المنظور.

كما يعتمد البحث على منهج التحليل المقارن للعلاقات التي تفسر التباين في مواقع المدن ودرجات نموها وتطورها، وإجراء المقارنات بين المدن للوصول إلى أوجه التشابه والاختلاف بينها وتحديد العوامل المؤثرة في نشأتها وتطورها والضوابط التي حددت مواقعها، وذلك لأهمية الموقع في تفسير نشوء وتطور المدن.

كما تستعين الدراسة في سبيل تحقيق أهدافها بالأسلوب الإحصائي أو التحليل الكمي في تحليل العلاقات التي تفسر أحجام المدن، من خلال استخدام بعض النماذج الإحصائية مثل معادلة النمو السكاني والإسقاط السكاني لحساب معدلات نمو أحجام المدن، ومعادلة نسبة أو درجة التمدن، واستخدام مؤشر السيادة لتحديد العلاقة بين المدينة الرئيسة وبقية المدن في المنظومة الحضرية، وقياس العلاقة بين مراتب المدن وأحجامها اعتماداً على قاعدة "زيبف"، وحساب الانحراف بين الأحجام النظرية للمدن وأحجامها الفعلية وعلاقتها بمراتبها، وقياس متوسطات أحجام المدن وحساب معامل توطن الأنشطة الاقتصادية في المدن الليبية، واستخدام الانحراف المعياري لقياس وظائف تلك المدن اعتماداً على مقياس نيلسون لتصنيف وظائف المدن. إضافة إلى استخدام معامل ارتباط الرتب المعروف بمعامل سبيرمان لقياس العلاقة بين أحجام المدن الليبية ووظائفها، علاوة على استخدام مقاييس الكثافة السكانية كمعيار للمقارنة المكانية للتركز السكاني بين أقاليم البلاد. كما سيتم استخدام مؤشر شمبل لقياس سهولة الاتصال بين المدن الليبية.

كما اعتمد البحث على استخدام عددٍ من المقاييس الكمية لقياس أنماط التوزعات المكانية للمدن الليبية وانتشارها للحكم على درجة التركز أو الانتشار في توزع المدن، مثل مقياس مربع كاي، ومؤشر صلة الجوار، والمركز الوسيط، ومنحنى لورنز، ومعادلة روبنسون لقياس تباعد المدن، حساب متوسط المسافات المتساوية بين المدن الليبية، علاوة على استخدام مقاييس التشتت مثل مقياس كثافة المدن.

كما سيتم الاستعانة بالتمثيل الكارتوجرافي والأشكال والرسوم البيانية في تحليل البيانات وإجراء المقارنات مثل خرائط التوزعات والكثافات وتمثيل التوزعات الحجمية للمدن بالمنحنيات البيانية لقياس أحجام المدن ومراتبها ونموها وتطور أعدادها، حيث تضمن البحث 42 خارطة، و22 شكلاً بيانياً ورسماً توضيحياً. إضافة إلى أنه تضمن 60 جدولاً إحصائياً يبين توزع ظاهرات مختلفة اقتضاها موضوع البحث، الذي ذيّل بنحو 19 ملحقاً لخدمة مضمون الدراسة.

ويعتمد البحث للإجابة على الأسئلة المطروحة سلفاً على الإحصاءات السكانية، ونتائج عمليات المسح الحضري التي قامت بها الجهات المسؤولة في الدولة والمخططات الحضرية للمدن الليبية والخطط التنموية، ونتائج حصر القوى العاملة من جهة، وتجميع جلّ البيانات التي تخدم مضمون البحث من مصادرها المختلفة سواءٌ في التقارير أو الكتب أو البحوث أو الخرائط، مع محاولة تركيز اهتمام الدراسة على المنظور الجغرافي الناظم لعمليات نشوء المدن وتطور أعدادها وحجومها زمنياً ومكانياً، وبالتالي إمكانية التنبؤ بمستقبلها وآفاق تطورها في المدى المنظور.

وقد جاءت هذه الدراسة في خمسة فصول، تسبقها مقدمة البحث التي تضمنت الإطار النظري للدراسة. ويتناول الفصل الأول نشأة المدن الليبية ومقوماتها ودوافع نشأتها، أما الفصل الثاني فيتناول بالنقاش والتحليل تطور أحجام المدن الليبية، بدأ بتعريف المدينة وتحديد مفهوم حجمها، واستعراض لتطور أعداد المدن الليبية ونمو أحجامها خلال الفترة 1954- 2000، التي قسمت إلى خمس مراحل، كما تم خلال هذا الفصل دراسة توزع الفئات الحجمية للمدن الليبية وتحليل منظومتها، واقتراح الأحجام المثلى لتلك المدن. بينما يبحث الفصل الثالث في العوامل المؤثرة في نمو المدن الليبية وتطورها، تضمنت أربعة عوامل رئيسة هي: العامل الديموغرافي، والتصنيف المستحدث للمراكز الحضرية، وتطور وظائف المدن والتأثير المضاعف لأحجامها، وعامل التطور الاقتصادي. في حين يبرز الفصل الرابع العوامل الطبيعية والبشرية والاقتصادية المؤثرة في التوزع المكاني للمدن الليبية وتباين مواضعها ومواقعها. أما الفصل الخامس والأخير فقد خصص لتحليل واقع التوزع المكاني للمدن الليبية وآفاقها المستقبلية، اشتمل على تصنيف مواقع تلك المدن، وتحليل لأنماط توزعها وكثافاتها، والآفاق المستقبلية لتوزع المدن الليبية ونمو أحجامها. وختاماً تم استعراض نتائج الدراسة ومقترحاتها وسرد لأهم المصادر والمراجع التي اعتمد البحث عليها.

حدود الدراسة:

أولاً: الحدود المكانية.

تقع منطقة الدراسة التي تمثلها الوحدة السياسية الليبية في الشمال الأفريقي بين خطي طول 9 ْ-25 ْ شرقاً وخطي عرض 45 َ 18ْ - 33ْ شمالاً، وتطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط بمسافة تصل إلى 1900 كم، تمتد من رأس اجدير عند الحدود الليبية التونسية غرباً إلى بئر الرملة عند الحدود الليبية المصرية شرقاً. ويحد منطقة الدراسة أربع دول عربية أفريقية وهي: تونس والجزائر غرباً ومصر والسودان شرقاً، إضافة إلى دولتين أفريقيتين هما تشاد والنيجر عند حدودها الجنوبية.

تبلغ مساحة منطقة الدراسة 1675 ألف كم2، تمثل نحو 11.7% من مساحة الوطن العربي - خارطة (1) - غير أن أكثر من 90% من هذه المساحة عبارة عن مناطق صحراوية جافة وشبه جافة، حيث لعبت الظروف البيئية دورها في حصر النطاق المعمور من ليبيا في منطقة الشريط الساحلي، إذ يعيش نحو 90% من مجموع سكان البلاد في مساحة لا تزيد عن 10% من مساحتها الكلية.

إن الأسباب الكامنة وراء اختيار ليبيا كنموذج لدراسة التنمية الحضرية ونمو شبكة المدن وانتشارها تتمثل في عدة اعتبارات، منها:

1- لم تحظ الشبكة الحضرية على مستوى القطر أو على مستوى أقاليمه بدراسة جغرافية متخصصة تعالج موضوع نمو تلك الشبكة وتوزعاتها المكانية ونظام تراتبها بالعنوان نفسه وبالأهمية ذاتها.

2- التطور الاقتصادي السريع الذي شهدته ليبيا والمرتبط بإنتاج النفط، وما ترتب عليه من حركة تمدن واسعة وسريعة وفي فترة وجيزة لا تتعدى خمسين عاماً، تحوّل معها نحو 88% من سكان البلاد إلى سكان مدنيون في عام 2000، بينما كانت تلك النسبة لا تزيد عن 25% في عام 1954.

3- التنوع الجغرافي نتيجة كبر مساحة البلاد يجعلها تقع ضمن عدة أقاليم طبيعية واقتصادية، ووجود تباينات مكانية مما يتيح مجالاً رحباً للدراسة والتحليل والمقارنة بين أقاليم البلاد في التوزعات المكانية للمدن وتباين معدلات نموها.

4- إن كبر مساحة البلاد التي تزيد عن 1.6 مليون كم2 جعلها تأتي رابع الدول العربية مساحةً، إلا أنها تأتي في مرتبة متأخرة في أعداد سكانها، مما يجعل أي تحرك للسكان له آثاره البارزة على تباين أحجام المراكز العمرانية وتوزعاتها المكانية.

5- الدافع الشخصي النابع من انتماء الباحث إلى هذا القطر العربي ومعايشته لظاهرة التحضر في البلاد والنمو السريع لمدنها، مما شجعه على عقد العزم على مزيد من الدراسات التي تتناول الطفرة الحضرية والعمرانية التي تشهدها الدولة.

ثانياً: الحدود الزمنية.

حُدد الإطار الزمني للدراسة بفترة النصف الثاني من القرن العشرين (1950-2000) وذلك لسببين: أولهما ارتباط هذا الإطار الزمني بفترة إجراء التعدادات السكانية في ليبيا التي تمثل المصدر الرئيس للبيانات عن تطور الأحجام السكانية للمدن الليبية، فقبل ذلك لم يتوافر أي تعداد شامل بالمعني المعروف، حيث كانت أعداد السكان تقدر بطريقة تعوزها الدقة وعدم الشمولية، حيث شهدت فترة الدراسة إجراء خمسة تعدادات سكانية، بدأت بأول تعداد رسمي عام 1954،   تلته أربعة تعدادت أخرى أجريت في أعوام 1964، 1973، 1984، 1995. ولذا اقترنت الدراسة في حدودها الزمنية مع فترة إجراء تلك التعدادات، إضافة إلى إجراء إسقاطات سكانية لتطور أحجام المدن الليبية حتى عام 2020 اعتماداً على معدلات النمو المسجلة خلال فترة الدراسة.

أما السبب الثاني فيتمثل في العامل الاقتصادي، إذ أن النمو السريع للمدن الليبية وزيادة أحجامها وأعدادها وتوسع مناطق انتشارها وتوزعها المكاني جاء بعد اكتشاف النفط وتزايد معدلات إنتاجه مع مطلع ستينات القرن العشرين، الذي كان له أثره في ارتفاع معدلات التحضر والنمو الحضري في ليبيا. ولذا فإن فترة الخمسينات من هذه الدراسة ستمثل الحالة الاقتصادية والظروف الاجتماعية للبلاد في الفترة التي سبقت اكتشاف هذا المورد الاقتصادي المهم، ثم متابعة التغيرات الاقتصادية التي شهدتها ليبيا، والتي انعكست على التطور الذي شهدته أحجام المدن وزيادة أعدادها وتوزعها المكاني حتى نهاية فترة الدراسة.

تحميل الأطروحة 




   drive.google-download



قراءة وتحميل الأطروحة




      archive




           drive.google 




     archive.org/details



كوكب المنى
بواسطة : كوكب المنى
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-